السبت، 28 يناير، 2017

تموز السوري في خدر مهيرة


بالتزامن مع تحول حلم السوريين بالحرية و الديمقراطية إلى كابوس طائفي ظلامي ديني  ، بدأ الخروج والشتات السوري العظيم ، فحل محل كل أبي غسان سوري يخرج  أبو قتادة شيشاني ، وأبو مصعب حجازي . الزلمات الأقل شقاءا وجدوا طريقهم إلى  ما قال عنه مواطنهم محمد الماغوط " أرصفة أوروبا الرائعة ، الحجارة الممدة منذ الاف السنين " ، أما الأقل حظاً فجاءت بهم الأقدار الى السودان  الذي ينام ويصحو سكانه على حلم الهجرة بعيدا عنه . فمان الإستقبال والإحتفاء الرسمي والشعبي بهم خير إعادة لقصة الحبشة التي فيها ملك لا يظلم عنده أحد ؛ وأحد هنا تعني أجنبي ذو بشرة فاتحة .

لا أعرف شخصياً اي سوداني تزوج سورية  ، ولم أر أي إعلان عن سوريات للزواج . ولكن هناك مقولات مشهورة عن زواج السودانيين بالنساء السوريات . مما أعاد فتح النقاشات المعهودة و العقيمة حول " الإستلاب السوداني نحو العرب " ، في الدائرة الضيقة لصفوة المتعلمين ذوي التوجهات السودانوية . لكن لم يحدث أي تذمر شعبي واسع النطاق و إحتجاج على هذه " الظاهرة " إلا مع قيامة تموز ، أي السوري الذكر ، وعندما أراد النساء السودانيات أن يقمن بواجبهن في مساعدة إخوة الإسلام و العروبة إسوة باخوانهن الرجال ، وشوهدت السودانيات في المنتزهات و المطاعم و الشقق المفروشة برفقة رجال سوريا ، عندها حدث الضجيج وشرعت الخرطوم تولول وتهدد و تتحسر .

أحيانا أظن أن لديا كسودانيين عادة أن لا نأخذ أي من الشؤون العامة بجدية ما لم يتم جنسنته ، أي ترجمته إلى صيغة جنسية قادرة على التأثير ، ولنأخذ هذه النماذج على سبيل المثال : أستطاع الأستاذ محمود محمد طه أيام الإستعمار تعبئة الجماهير الشعبية بمنطقة رفاعة ضد الحكومة ، عندما أستطاع أن يضغط ويكثف نزعته الوطية في مقولة  " الإنجليز دايرين يتدخلوا في **** بناتكم " لا اعرف ما المفردة التي تأخذ محلها النجمات ، ولكن بما أن الأمر متعلق بالختان الفرعوني فهي غالبا " مهابل " أو ما يقابلها بالعامية ،  وكذلك أستطاع حسن الترابي أن يزج بآلاف الشباب في حرب الجنوب بعد أن تم جنسنة كل القضية و اختصارها في رغبة جون قرنق في شرب جبة في المتمة ! والآن يعتمد اعلام النظام السوداني في دعايته الشعبية في التخويف من اغتصاب رجال الجبهة الثورية ل " بناتكم " ،  وقيل أن المثقفين الذين كانوا يدعون في فترات مختلفة للوحدة مع مصر كان لهم مؤيدون في الأوساط الشعبية بحجة " كويس منها نشبع لحم أبض ذاتو " !

لا تخرج من إطار الترميز الجنسي حتى الزاينوفوبيا و كراهية الأجانب في السودان ، سبق وأبديت أنا نفسي دهشتي الشديدة عندما قرأت تحقيقا في إحدى الصحف كتبته صحفية يسارية التوجه حول " الإثيوبيات " ودورهن في التحلل الأخلاقي و " الرذيلة " ! بل أن التذمر من الوجود الإثيوبي والأريتري لا يجد صيغة يعبر بها عن نفسه سوى الحديث عن الدعارة و الأمراض المنقولة جنسيا ، يندر جدا أن تجد خطاب كراهية أجانب يتحدث عن أزمة البطالة و ضيق سوق العمل مثلا ، كما هو الحال في بلد متخلف اخر مثل السعودية التي يؤسس  خطاب معاداة الأجانب فيها مشروعيته على حجج  سودو- إقتصادية  ركيكة .


 عندما كنا مشغولين بالدعوة  للعصيان المدني الثاني في 19 ديسمبر 2016 ، كانت الأوساط ذات الفعالية السياسية المتدنية  في ريف وسائط  التواصل الإجتماعي  مشغولة جداً بما أسموه " ظاهرة " علاقات السوريين بالسودانيات ، وكالعادة تم اعتبار الأمر بواسطة الصفوة المصابة بالإغتراب السياسي نوعاً من الإلهاء يقف خلفه النظام لصرف الإنتباه عن التعبئة السياسية ضده ، وضعت كلمة ظاهرة بين الأقواس استهجانا لوصف بعض العلاقات بين رجال سوريين و نساء سودانيات بظاهرة ، لكنني أقول بثقة أن تسفيه قضايا الرأي العام التي ينشغل بها الجمهور من حين لآخر بواسطة الصفوة السياسية ودمغها دائما بأنها محاولة لصرف الإنتباه عن حدث سياسي متزامن يستحق أن يوصف بأنه ظاهرة جديرة بالتحليل . عموماً استمر الهيجان و التعبئة ضد السوريين حتى بعد أن تراجع التصعيد السياسي ضد النظام بنهاية العصيان .

في معظم مدن جنوب السودان الكبيرة مثل ملكال و جوبا يكون هنالك حي باسم " الملكية "  يقطنه أبناء الجنوبيات من علاقات مع شماليين في حينها ، سودانيين الآن  " جنود ، تجار موظفون " سواء كانت العلاقات قانونية شرعية أم لا ، بالتراضي أم لا .  تنتهي علاقة الأب الشمالي مع ابنه  من الجنوبية  في أفضل الحالات مع نهاية علاقته بالجنوب  . وتعطي قصة رجل أعرفه ينتمي لإحدى قبائل شمال السودان تفسيراً لهذا الأمر ، فقد قال بكآبة عدما سئل عن السبب في عدم عودته الى قريته البعيدة إطلاقا بعد زواجه من أمرأة في مدينة الكرمك بالنيل الأزرق و إنجابه لعدد من الأبناء  منها أن أهله لن يقبلوا أبناءه أبداً  ، وسيلفظونهم لفظ النواة . بينما أهله يفسرون الأمر بوقوعه ضحية للسحر .  أورودت هذه المقدمة لأورد إنطلاقاَ منها تحليلي  لواحدة من أهم حجج المتذمرين من علاقات السودانيي و السوريين ؛ وهي أن السوري غير جاد في حب السودانية ، ولن يستمر حتى لو تزوجها ، فالسوداني هنا يضع أخته مكان المرأة الجنوبية التي يهجرها عدما يغادر الجنوب ، ويضع السوري في مكانه الشخصي ، أي أن قانونه غير المكتوب الذي يجعله يضع نفسه فوق الجنوبي ، يواصل عمله ويضعه تحت السوري ، ولذا يؤمن أن السوري لن يحترم أخته تماما  كما يؤمن رجل الكرمك أن أهله لن يحترموا أولاد ، الذين لم يمنعه حبه لهم لدرجة تفضيلهم على بقية أهله  من النظر إلهم كعاهة يخفيها و يختفي بسببها .


هناك حجة أخرى تحاول أن تلتف على الموضوع بالتركيز على كون معظم علاقات السوريين مع السودانيات غير شرعية وأنهم لا يمانعون زواج السوري ، وأن هذا يعتبر غدر وخيانة لشعب أكرم نزلهم . وهذه الحجة سخيفة فلا معنى لتخصيص السوري ما دام الرفض مسبب بلاشرعية العلاقة ، فالأجدر هنا أن تكون الحملة ضد العلاقات غير الشرعية بعامة وليس علاقات السوريين غير الشرعية مع المواطنات .
 قليل من التحليل النفسي بالتكامل مع التحليل الثقافي أعلاه يعطي إضاءة أكبر لفكرتي عن أصل المسألة . للرجل السوداني أساطير محببة حول فحولته و تفوقه الجنسي على بقية " أشقاءه العرب " وعن إعجاب النساء العربيات السري بفحولته ، وإشتهاءهن إياه ، ولننظر هنا للأساطير التي يبرع العائدون من الاغتراب خاصة في الخليج نسجها عن شغف العربيات و حتى الأوروبيات  بهم . وعليه فعندما تغمز مهيرة من وراء ظهر الزول لتموز السوري فإن هذا تجديف على عقيدة الفحولة السودانية لا يغتفر  . ووفقاً لنظرية فرويد عن كون وجود رجل ثالث مغبون يكون انتزاع الحبيبة انتصاراً رمزيا عليه ، كون وجود هذا الرجل الثالث المغبون  أحد أهم شروط الحب عند الرجل ، فإن حب السودانيات للسوريين يحول كل الرجال السودانيين فوراً إلى ثوالث مغبونين ، وأفهم من تفاخر بعض السوريين في الإنترنت أن السودانيات يفضلنهم ، أن هذا صراع بين سردية الفحولة السورية و سردية الفحولة السوانية ، فالرجل السوري يقول للسوداني أنه هو الفرد ألفا الذي يحصل على كل إناث القطيعين السوري والسوداني  ؛ إنها فحولة تموز  تشهر خصيتها في وجه فحولة الزول ! بينما افهم تذمر الرجال السودانيين أنه غضبة الفرد بيتا المغبون الذي اصبح يهدد ويتوعد بعد أن أحس بالعجز التام عن مجاراة غريمه تموز،  بعد أن أيقظ فيه تموز مخاوف الخصاء الطفولية دفعة واحدة  .


نقل الترابي عن البشير أنه وصف اغتصاب الشمالي لامرأة دارفورية أنه شرف لها ، ووفقاً لمنطق البشير وأسسه التي يفاضل بيها بين البشر ،  فإن زواج سوري أو إقامته لعلاقة بالتراضي مع سودانية هو  إتمام لنعمة الله عليها . وما نقله الترابي عن البشير هو تمظهر مكثف لعنجهية السوداني العربي المسلم التي يمرغها تموز في الوحل ، والتي كان الترابي نفسه أيام جهاده يوظفها خير توظيف ضد الجنوبيين .

 تكمن الضرورة الوجودية للتنوير في كونه في المقام الأول تحرير ، تحرير للذات السودانية  من العبء الثقيل الذي ترزح تحته ، ثقل عقد البطريركية والعنصرية وعقد النقص والتفوق ، تحرير من خنق عادات القبيلة ومنطق إنسان الكهف الذي يجعل الإنسان السوداني صيدا سهلا لكل دجال ومغامر سياسي يجيد مخاطبة الغرائز والخرافات القارة ، كما هو حال معظم الخطابات السياسية والدينية التي تسيطر على اعرض قطاع من الرأي العام السوداني حاليا .
من الطريف أن هناك تعليق دائما ما يرد في النقاشات حول قصة تموز ومهيرة ، هو أن المشكلة في " بناتنا " ، وهو بالنسبة لي عكس الصحيح ، أن كانت هناك مشكلة فهي مشكلة ذكورية بحتة  ، ومن الأفضل التعامل مباشرة مع الوساوس النفس - جنسية والعنصرية خلف الموضوع ، وليس تضييع الوقت في التعامل مع الحجج الرسمية المعلنة ذات الطابع الديني ، الأخلاقي وحتى الوطني ألبطولي ، التي يواري تحتها   رجال السودان - ونسأءه ذوات الوعي التابع - أوهامهم البدائية التي فات أوانها . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق